فخر الدين الرازي

229

القضاء والقدر

الأنبياء وإثابة الفراعنة والأبالسة . ولو كان كذلك ، لكان أسفه السفهاء . وقد نزه نفسه عن أن يفعل ذلك فقال في كتابه : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟ ما لَكُمْ ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟ « 1 » . الحجة الحادية عشر : لو خلق الكفر في الكافر ، لكان قد خلقه للعذاب في نار جهنم . ولو كان كذلك ، لما كان للّه نعمة على الكافر أصلا في الدين . وأيضا : على هذا التقدير ، وجب أن لا يكون له عليه شيء من النعم الدنيوية ، لأن اللذات العاجلة بالنسبة إلى العقوبة الأبدية . كالقطرة في البحر . وذلك لا يعد نعمة . ألا ترى أن من جعل السم في الحلو فإن اللذة الحاصلة من تناول ذلك الحلو لا تعد نعمة . فكذا هاهنا . ومتى التزم ملتزم فقد خالف الكتاب . قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً « 2 » وقال : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ « 3 » . الحجة الثانية عشر : لو خلق الظلم والجور والفساد ، لصح وصفه بأنه ظالم وجائر ومفسد ، لأنه لا معنى للظالم إلا كونه فاعلا للظلم . ولذلك فإنه لا يصح إثبات أحدهما مع نفي الآخر . وأيضا : فإنه لما فعل العدل سمي عادلا ، فكذا لو فعل الظلم وجب أن يسمى ظالما ، بل يجب أن لا يسمى العبد ظالما وسفيها ، لأنه لم يفعل شيئا من ذلك . الحجة الثالثة عشر : لو جاز أن يخلق الكفر في الكافر ، ثم يقول له : لا تكفر . لجاز أن يقيد يديه ورجليه ثم يرميه من شاهق الجبل ، ويقول له : ارجع . ولجاز تكليف الأعمى بنقط المصحف . بل يلزم جواز التكليف بخلق العدم ، والجمع بين السواد والبياض . ولو جاز ذلك ، لجاز تكليف الجمادات . وكل ذلك باطل بالضرورة . الحجة الرابعة : لو كان تعالى هو الخالق لأعمال العباد ، لكان إما أن يتوقف خلقه لها على دواعيهم وقدرهم ، أو لا يتوقف . والأول باطل . لأنه يلزم منه أن يكون تعالى محتاجا إلى إرادتهم وقدرتهم . والثاني باطل لأنه يلزم أن يصح منه تعالى خلق تلك الأفعال من دون قدرتهم وإرادتهم . فيلزم صحة أن توجد الكتابة والصياغة المحكمتان فيمن لا يكون عالما بالصياغة والكتابة ، وصحة صدور الكتابة ممن لا يد له ولا قلم . ويلزم تجويز أن تقدر النملة على نقل الجبال ، وأن لا يقوى الفيل على نقل الذرة ، وأن يجوز من الممنوع المقيد : المقدرة ، وأن يعجز القادر الصحيح المخلي : من تحريك الأنملة . وفي زوال الفرق بين القوي والضعيف ، وفساد تصرفاتهم في حبس السراق وقطاع الطريق . وكل ذلك معلوم الفساد بالضرورة . الحجة الخامسة عشر : لو جوزنا صدور القبائح من اللّه تعالى فلعل هذه العلوم البديهية

--> ( 1 ) سورة القلم الآية 35 و 36 . ( 2 ) سورة إبراهيم الآية 28 . ( 3 ) سورة القصص الآية 77 .